الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

217

انوار الأصول

ومنها : قوله تعالى في باب الشهادة : « وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ » « 1 » بناءً على كون « لا يضارّ » مبنيّاً على المفعول ، حيث إنّه حينئذٍ ينهى عن الاضرار بالكتّاب والشهداء بالرجوع إليهم للكتابة أو الشهادة في أيّ وقت وساعة ، تمسّكاً بعموم ما يدلّ على وجوبهما عليهم ( وهو ما ورد في صدر الآية من قوله تعالى : « وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ » وقوله تعالى : « وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا » فيكون ذيل الآية حينئذٍ حاكماً على عموم صدرها ، وأمّا بناءً على البناء على الفاعل فهي أجنبيّة عمّا نحن فيه ، لأنّ المعنى حينئذٍ النهي عن اضرار كاتب الدَّين والشاهد عليه بكتابة ما لم يمل والشهادة بما لم يستشهد عليه ، أي بكتابة غير صحيحة وشهادة غير صادقة ، وهو حرام من غير حاجة إلى عنوان الاضرار . ومنها : قوله تعالى في باب الوصيّة : « مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ » « 2 » الذي ينهى عن الاضرار بالورّاث بالاقرار بدَين ليس عليه ، دفعاً للميراث عنهم ، وتمسّكاً بعموم « الناس مسلّطون على أموالهم » فتحكم الآية على هذا العموم ويكون مفيداً لنا في المقصود . هذه هي الآيات الخاصّة التي وردت في موارد مختلفة وتدلّ على حرمة الاضرار في خصوص تلك الموارد وبنحو الموجبة الجزئيّة ، ولا يبعد - كما مرّ - أن يصطاد منها عرفاً قاعدة لا ضرر بنحو كلّي وموجبة كلّية بإلغاء الخصوصيّة عن مواردها ، فإنّ العرف إذا ضمّ بعضها إلى بعض ونظر إلى مجموعها يمكن أن يستخرج منها قاعدة كلّية تحت عنوان « لا ضرر » ، وإن أبيت عن هذا فلا أقلّ من كونها مؤيّدة لسائر الأدلّة . 2 - الإجماع : فلا إشكال في أنّ القاعدة مجمع عليها في الجملة ، أي توجد موارد عديدة في الفقه تكون عمدة الدليل فيها هي قاعدة لا ضرر ، نظير خيار الغبن ، ولكن لم ينعقد الإجماع عليها بعرضها العريض بحيث يمكن التعدّي إلى سائر موارد وجود الضرر ، مضافاً إلى أنّه مدركيّ فليس بحجّة .

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 282 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 12 .